Saturday, October 20, 2018

السلطة المجنونة تقتل مهمشيها


2018 / 6 / 28
لم أستطع تمالك نفسي من الغضب عند سماع خبر صدور حكم بالسجن لمدة عشرين عاما على المناضل المغربي " ناصر الزفزافي" ورفاقه الذين شاركوه نضالاتهم المطلبية بالتشغيل والتنمية في منطقتهم في الريف المغربي - المنطقة الأكثر تهميشا والأشد فقرا في المغرب، بتهمة (تقويض النظام العام والمساس بالوحدة الوطنية).ولمن لا يعرف الريف في المغرب يكفي أن نقول أن المناضل أو المجاهد عبدالكريم الخطابي الذي قاد الثورة ضد الوجود الفرنسي والإسباني الاستعماري كان من الريف المغربي كما الزفزافي، فالمفارقة هنا عجيبة لا يمكن فهمها وهي أن ذات المنطقة التي خرجت للمطالبة بالكرامة والعدالة والتنمية هي ذات المنطقة التي ثارت بوجه المستعمر وأعادت للدولة استقلالها وكرامتها. والوجه الآخر للمفارقة هو أن هذه المنطقة هي الأكثر تهميشا وحراكاتها الأكثر تعرضا للقسوة والبطش. هل هذا هو ثمن الوطنية والحس بالإنسانية والكرامة؟
نعود للمناضل ناصر الزفزافي ونلخص ما حدث له قبل السجن:
ناصر الزفزافي، لمن لا يعرفه، ناشط مغربي قاد الاحتجاجات أيام قام شرطي مغربي بطحن مواطن مغربي مع أسماكه المعروضة للبيع في طاحنة قمامة. الناشط المذكور تمت مطاردته والقبض عليه بسبب مقاطعته لخطيب الجمعة في مدينة الحسيمة، بعد أن قام الخطيب بتوجيه اتهامات للمحتجين بإثارة الفتنة التي ستقود المغرب لما آلت إليه الأمور في العراق وسوريا. ووصل شعور الحكومة بالتهديد أن قامت وزارة الأوقاف المغربية بإصدار بيان في نفس اليوم، اتهمت فيه الزفزافي بإفساد الجمعة والإساءة للجماعة. وختمت الوزارة بيانها بالآية التالية ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وسعى في خرابها). مع العلم أن الزفزافي كان في المسجد، كالمعتاد، لأداء الصلاة دون علم مسبق بما سيقوله الخطيب.
وكما هو واضح، لم تكن حجة السلطات في مطاردته والقبض عليه كافية تحت أي مسمى جنائي فاستعانت بأحد أضلاع الحكم الثلاث التي تُسنِد السلطات العربية، ألا وهو ضلع "الدين"، حيث استعانت وزارة الأوقاف المغربية بكل الفتاوى السياسية التي كبَّلت المعارضين في عهود الحكم العربي قبل ألف وأربعمئة عام وحتى الآن لتبرر للحكومة القبض عليه والتنكيل بحراكه المطالِب بالعمل والعدالة في التنمية.
والسؤال اللغز هنا: هل ما تقوم به النظم العربية من تمادي في الاستبداد والفساد والتنكيل بالحراكيين المطالبين بالعدالة والديمقراطية والتوزيع العادل للتنمية والفرص والثروة الوطنية نابع من استخفافٍ "برعاياها" أم هو التعامي عن حالة من التأزم والضغط الشديدين المؤديان إلى الانفجار؟ وهل ما زالت تلك السلطات مؤمنة أن ما تقوم به من تبديل للوجوه بعيدا عن جوهر السياسات التي تنتهجها ينطلي على الناس؟ الغريب في الأمر أن رؤوس السلطات العربية تتبجح دائما بالدعوة للإصلاح ومحاربة الفساد، لكن ممارساتهم على الأرض لا تشي بذلك. فالنظم والقوانين الانتخابية يتم تفصيلها لإيصال نوعية محددة من الشخصيات التي تتماهى بالمطلق مع السياسات المتبعة لتكريس المزيد من الإفقار والإذلال للناس، مترافقة مع تعزيز منظومات الفساد والاستبداد والنهب المبرمج لمقدرات الأوطان. وحتى عند السماح بالعمل العام عبر منظومة حزبية، تكون تلك الأحزاب ديكورية ولا تمتلك الحد الأدنى من القدرة على مجرد التفكير بالتواصل مع من تسميهم " جماهيرها الشعبية". فعند تشكُّل تلك الأحزاب تكون موزعة محاصصةً ما بين حصة للأجهزة الأمنية وحصة لرأس السلطة وما تبقى من العضوية لا يعدو كونه مجرد كومبارس للتصفيق "لأمين الحزب المُلهَم" وسياساته الوطنية المتوازنة وقدراته الخارقة للبقاء على رأس الحزب حتى الممات رغم كل "المؤامرات الداخلية والكونية التي تُحاك ضده"! فحتى المخارج التي تطرحها تلك السلطات لا تزيد الوضع إلا تأزيما واحتقانا.
السؤال الكبير الآن، هل تسعى تلك النظم والسلطات لدفع الناس للمزيد من التأزيم المُفضي للفوضى والتدمير؟ ما دفع لهذا التساؤل هو أن الانفجار إذا حصل لن يجد من يقوم بإطفائه لأسباب كثيرة: أولها أن الثقة أصبحت منعدمة تماما بين السلطات الحاكمة والناس ولا يمكن ترميمها وإعادتها إلى ما كانت عليه قبل وقت سبق لأنَّ " الفتق اتسع على الراتق"، وثانيها أن تلك السلطات قامت بإخصاء أو إقصاء من كان أو مرشحا ليكون مؤثرا جماهيريا، وهذا أمر غاية في الخطورة لأنَّ يأس الناس من الاحتجاج السلمي قد يقود في لحظة اليأس تلك إلى لجوء المُفقَرين والمهمشين والعاطلين عن العمل إلى أفعال بعيدة عن السلمية والعقل بحيث تؤدي إلى القناعة " بهدم المعبد على رؤوس كل من فيه".
نعود إلى ناصر الزفزافي ورفاقه في المغرب أو أي مجموعة مناضلة في أي مزرعة عربية أخرى. الحكم الصادر بحقهم رسالة إلى الناس مفادها أن كل من يطالب بإنسانيته وكرامته ليس له من مصير إلا السجن والقمع أو الموت رميا بالرصاص أثناء المطاردة أو القتل تعذيبا أثناء التحقيق للحصول على إفادة تدينه، مستندين بذلك إلى نكتة " جعل الغزال يعترف أنه أرنب" المعبرة عن نهج وعقلية السلطات الأمنية العربية؛ وإلا فما معنى التهمة النكتة التي توجها تلك السلطات قاطبة بتقويض النظام العام وزعزعة الوحدة الوطنية لكل من يطالب بإصلاح سياسي واقتصادي يرى نفسه فيه إنسانا وليس " رعية" ؟ وما معنى توظيف المُدنَّس من مثل التخوين أو المقدس من مثل منع إقامة الصلاة وتفريق الجماعة والإفساد في الأرض من وزارة أحفورية تدعي النطق باسم الله لتعزيز سلطة لا تعرف من الدين إلا أنه أداة لاستعباد الناس؟
إفقار وتهميش واستبداد وفساد وقمع وإذلال، فهل أبقت السلطات "لرعاياها" منفذا للاحتجاج والمطالبة السلمية؟ القادم لا يُنبئ بخير.

No comments:

Post a Comment